جدلية
الدين و السياسة
ـ رؤية مقاصدية و دراسة موضوعية من خلال حديث
:"انت اعلم بأمور دنياكم"ـ
د بدرالدين زواقة
استاذ الدعوة و الاعلام و الاتصال ـ جامعة باتنة ـالجزائر
borhanedine@gmail.com
مقدمة:
تمثل السياسة مظهرا من مظاهر شبكة العلاقات الإنسانية و
تطورها و تشعبها باعتبار الأبعاد الاجتماعية و الاقتصادية للحضور الإنساني و
البروز الثقافي و الشهود لحضاري لأي أمة من الأمم .و قد كانت و مازالت المتغير الدائم
و المستمر في المعادلة الإنسانية من خلال التجليات التطبيقية لنظم الحكم قديما و
حديثا، ومع ظهور الرسالات السماوية برز متغير آخر في المعادلة الإنسانية و هو متغير
الدين ،عقد المعادلة من حيث أطرافها و نتائجها .
وتتلخص
جدلية الدين و السياسية من خلال الفهوم الناقصة و الممارسات الخاطئة والتجليات غير الموضوعية و الإسقاطات غير
الواعية للنصوص و الأحداث.
و أعتقد
ان تجاوز هذا الخلل يتمثل في عدم الوقوف عند المتغيرات من خلال سلوك
المرونة الفكرية و الرؤية المقاصدية التي يمتاز بها المجددون الذين يمتازون
في اجتهاداتهم بالرؤية الجامعة التي تمتاز بالوسطية تصورا و بالاعتدال سلوكا و
بالحكمة الإنسانية مسلكا و بالوحدة إستراتيجية و بالتوحيد مبدآ و هدفا.
فكان
من لازم علينا كمنتسبي لهذا الدين العظيم ،الذي يعتبر نظاما اجتماعيا يختلف
و يتميز عن الأديان الأخرى من خلال مبادئه و أهدافه ومقاصده التحقيق العلمي والمراجعة
الواعية و التقييم الدقيق و التقويم الشامل لسيرورة ظاهرة التدين.
و
تتعلق المقاصد بمصالح العباد في الآجل و العاجل ،كما قرر علماء الأصول والمقاصد من
بينهم الشاطبي، و قد تأثر الفكر الإسلامي المعاصر بتجليات الحداثة والعولمة
من جهة و من جهة أخرى ظهور فهوم متباينة في التعامل مع الدين كظاهرة اجتماعية و
كنصوص تتراوح بين الظن و القطع.
ومن
هذه النصوص حديث :"أنتم أعلم بأمور دنياكم "، الذي أثار جدلا فقهيا
و اعتراضا
من المحققين في الحديث، فأردنا من خلال هذه الورقة محاولة فك التعارض بين جدلية
الدين و السياسة ،و الوصول إلى رؤية استشرافية تمكننا من التعامل الموضوعي و
التطبيق الواقعي للدين في واقع الناس.
أولا: مدخل مفاهيمي:
1. مفهوم الدين:
أ ـ في اللغة : يطلق الدين
على معان أهمها :
§
العادة
و الشأن : " و الدِّينُ بالكسر العادة والشأن "[1]
" تقول العرب: ما زالَ ذلك دِينـي ودَيْدَنـي أَي عادتـي "[2]
" .
§
الجزاء
و المكافأة :" و الدِّينُ أيضا الجزاء والمكافأة يقال دَانَ ُ يدينه دِيناً
أي جازاه يقال كما تُدِينُ تُدَانُ أي كما تُجازي تُجازى بفعلك وبحسب ما عملت
وقوله تعالى ^ إنا لمدينون ^ أي لمجزيون محاسبون"[3]
§
الحساب
:" و الدِّين: الـحسابُ؛ ومنه قوله تعالـى: ^ مالك يوم الدِّين ^ ؛ وقـيل:
معناه مالك يوم الـجزاء . وقوله تعالـى: ^ ذلك الدِّين القَـيِّمُ ^ ؛ أَي ذلك
الـحسابُ الصحيح والعدد الـمستوي "[4]
§
الطاعة
و الخضوع و الإذعان : " و الدِّينُ أيضا الطاعة تقول دَانَ له يدين دِيناً أي
أطاعه "[5]
" وفـي حديث أَبـي طالب: قال له، علـيه السلام: أُريد من قريش كلـمة تَدينُ
لهم بها العرب أَي تطيعهم وتـخضع لهم "[6]
§
القهر
: و الدِّين: القهر "[7]"
في أسماء الله تعالى الدَّيَّان قيل هو القهَّار وقيل هو الحاكُم والقاضي وهو
فعَّالٌ من دانَ الناسَ أي قَهَرَهم على الطاعةِ يقال دِنْتُم فدانوا أي قَهَرتُهم
فأطاعُوا"[8]
§
القضاء
و الحكم :" دِينا وفـي التنزيل العزيز: ^ ما كان لـيأْخُذَ أَخاه فـي دين
الـملك ^ ؛ قال قتادة: فـي قضاء الـملك "[9]
§
الإذلال
و الاستعباد : " دَانَهُ يدينه دِيناً بالكسر أذله واستعبده فَدَانَ وفي
الحديث ^ الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ^"[10]
§
و
الدِّينُ: الـحالُ ." قال النضر بن شميل: سأَلت أَعرابـيّاً عن شيء فقال:
وكلمة الدين التي نحن بصدد تعريفها ـ
تطلق ـ في كتب اللغة عموما على ما لي:
العادة، والعبادة، الطاعة، الجزاء،
القضاء، المجازاة، الحساب، الحكم، الإكراه، الإحسان، الحال، الداء، السيرة، الورع،
الاستيلاء، السلطان، الملك، الذل، العز، الخضوع ، الإسلام، التوحيد، كل ما يتعبد
به…..الخ
ونستطيع أن نرجع هذه المعاني كلها إلى
ثلاثة أصول يرتبط بعضها ببعض بأوثق روابط المودة والتلازم، فإن كلمة (دان) وردت في
كلام العرب إما متعدية بنفسها وإما متعدية بحرف الجر، وحرف الجر هو إما اللام وإما
الباء:
- فإذا تعدت بنفسها إلى مفعولها كما
يقال: دانه، يدينه، ديناً.. فيكون المراد أن الأول أعلى من الثاني تسلط عليه وقهره
وأذله وحاسبه وجازاه.. وملكه..الخ.. ما يشعر بغلبة الأول وتسلطه على الثاني
وسلطانه عليه ومنه قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}.
- وإذا تعدت باللام كما يقال: (دانه فدان
له) فيكون مطاعاً للمعنى الأول ونلحظ فيه الانقياد والخضوع من المفعول للفاعل.
- وإذا تعدت بالباء كما يقال: (دان بكذا)
فيكون المعنى اتخذ الفاعل ذلك الشيء مذهباً وعقيدة ومنهجاً ودستوراً يلتزم به
ويسير على نهجه.
وعلى هذا يكون معنى كلمة (الدين)
بالنسبة لله سبحانه وتعالى.. القهر والسلطان والعظمة والعزة وكل ما يدور في فلك
هذه المعاني من التعظيم ويكون الدين بالنسبة للفرد المتدين: الخضوع والانقياد لمن
دان له، ويكون المعنى بالنسبة للمتعدي بالباء: هو الرباط والشريعة والدستور الذي
التزم به المتدين والتزم بالسير على قواعده وهو المتعبد به.
فمن خلال هذه الإطلالة اللغوية في أصل
الكلمة عند العرب ندرك أبعادها و تشعبها الايجابي و تنوع مدلولاتها ومن ثم
إسقاطاتها و تنزيلها.
ب ـ في الاصطلاح :
من خلال التنوع في مدلول الكلمة من الناحية اللغوية و التعدد في النظر الى
زوايا الكلمة المختلفة ،ندرك صعوبة اعتماد المدلول الاصطلاحي للكلمة:
v
:
فقد عرفه علماء المسلمين بتعريفات كثيرة نقتصر منها على ثلاثة تعريفات :
3.
"والدين
يضاف إلى الله تعالى ... هو وضع إلهي يسوق ذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير
بالذات وهو ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم فإن الوضع الإلهي هو الأحكام التي جاء بها
نبي من الأنبياء عليهم السلام "[16].
من خلال المفاهيم السابقة ندرك أن
الدين ينصب في الفكر الاسلامي على الجانب النسكي التعبدي الوظيفي ،و لهذا لا يمكن
الفصل بين الدين و التدين ـ أي الجانب العملي ـ فهو منظومة متكاملة من حيث التصور
و الممارسة.
v
وفي
اصطلاح الغربيين، فقد عرف الغربيون الدين بتعريفات كثيرة نقتصر على بعضها :
- الدين منظومة من الاعتقادات و الطقوس
مبنية على العلاقة بكائن أعلى أو بمجموعة من الآلهة أو بمجموعة من الأشياء المقدسة
أو بالكون .
- عند الفيلسوف البريطاني هربرت سبنسر(1820-1903):
" الدين هو الإيمان بقوة لا يمكن تصور ماهيتها الزمانية و لا المكانية "
- عند إمانويل كانت : " الدين
شعورنا بواجباتنا من حيث كونها قائمة على أوامر
إلهية ".
- ماكس مولر (1823-1900) : " الدين هو محاولة تصور ما لا يمكن
تصوره ،
و
التعبير عما لا يمكن التعبير عنه ، و هو التطلع إلى اللانهائي و حب الله ".
ـ ميشال مايير
" تعاليم خلقية ودينية"[17]
- ماكس
مولر" الدين هو الشعور باللا نهائي و بأنه إحساسنا بالامتناهي"[18]
- ويرى
سبنسر الدين بأنه " الشعور باننا
نسبح في خضم من الأسرار"[19]
ومن هنا يظهر التباين
الواضح و الاختلاف الشديد بين التصورين ، كون التصور الغربي للدين عائم لا يمكن
تحديده ،فهو يعمم المعنى لكل الظواهر
الدينية دون تحديد و تمييز سواء أكانت
صحيحة أو زائفة،و هنا
نلاحظ إرهاصات الفصل بين الدين
و الدنيا .
وقد أطلق القرآن الكريم اسم الدين على
الصحيح وعلى الدين الفاسد الباطل ومن ذلك قوله سبحانه و تعالى: ]وَغَرَّهُمْ
فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ[[21]
وقوله تعالى:]وَمَنْ
يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ[[22]
وقوله تعالى: ]قُلْ
أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُم[[23]وقوله
تعالى: ] لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ[[24].
و قد اتفق علماء الاسلام على النظرة
الشمولية للدين من خلال استيعابه للعقائد والشرائع و الأخلاق. فالدين: "وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى
الصلاح في الحال والفلاح في المآل "[25].
يرى عبد الله دراز
أن الدين" وضع إلهي يرشد إلى
الحق في الاعتقادات وإلى الخير
في السلوك
والمعاملات"[26].
فهو نظام
اجتماعي متكامل يحقق المقصد من وجود الانسان و المتمثل في تثبيت الربوبية و تعزيز الألوهية وامتثال العبودية وتجسيد
الاخلاق و تحقيق العمارة و الخلافة .
2-مفهوم السياسة:
أ ـ في لغة :" من ساس الرعية يسوسها سياسة[27]،
وفي لسان العرب السياسة هي فعل السائس يقال يسوس الدواب إذا قام عليها راضاها .
والوالي يسوس رعيته . وفيه السوس :الرياسة يقال ساسوهم سوسا، وإذا رأسوهم
قيل:سوسوه وأساسوه. وساس الامر سياسة: قام به
ورجل ساس من قوم ساسة و سوسه القوم: جعله يسوسهم. ويقال سوس فلان أمر بني
فلان أي كلف سياستهم.[28]
وأحسب أن هذا المعنى هو الأصل الذي أُخِذ منه سياسة
البشر. فكأن الإنسان بعد أن تمرس في سياسة الدواب، ارتقى إلى سياسة الناس،
وقيادتهم في تدبير أمورهم. ولذا قال شارح القاموس: ومن المجاز: سُسْتُ الرعية
سياسة: أمرتهم ونهيتهم. وساس الأمر سياسة: قام به. والسياسة: القيام على الشيء بما
يصلحه[29].
و قد ورد المصطلح بمفهومه اللغوي في الخطاب النبوي
وإعطائه الصبغة الإسلامية ومحاولة ربطه بمصطلح سياسي إسلامي و هو البيعة
فقد أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم
الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون".
قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم الذي جعل
الله لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم"[30].
و قد وظف
الصحابة رضوان الله عيهم هذا المفهوم من
خلال مدلولات جديدة فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه، والحاكم في مستدركه، عن
المستظل ابن حصين، قال: خطبنا عمر بن الخطاب فقال: قد علمتُ -ورب الكعبة- متى تهلك
العرب! فقام إليه رجل من المسلمين، فقال: متى يهلكون يا أمير المؤمنين؟ قال: حين
يسوس أمرهم من لم يعالج أمر الجاهلية، ولم يصحب الرسول"[31].
و هذه المداخل اللغوية تمهد لنا الطريق لفهم المصطلح
أصله ،و لذا كانت السياسة مسمى وممارسة
عند البشرية باعتبارها ضرورة انسانية لرعاية شؤون الناس بغض النظر عن الخصائص و
الميزات البشرية و الاجتماعية و الجغرافية .
* السياسة اصطلاحا:
والسياسة في
الاصطلاح هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة
يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي[32]
وفي البحر الرائق
في تعريف السياسة"......ثم رسمت بأنها القانون الموضوع لرعاية الآداب
و المصالح وانتظام الاحوال[33]
وتعرف كذلك بأنها " قيام من له السلطة العامة
بتدبير شؤون الرعية والدولة بما يصلح حالهما وفقا لما جاء به الشرع،أو موافقة له
بمقتضى النظر العقلي وأن لم ينطق به الشرع[34]
وتعرِّفها موسوعة العلوم السياسية بأنها: (فن إدارة المجتمعات الإنسانية)[35].
من خلال العرض السابق ندرك
اهمية السياسة كمدلول فلسفي و مفهوم معرفي
و ظاهرة اجتماعية تتعلق بمصالح الناس الضرورية و الحاجة و التحسينية التي تحقق لهم العيش المشترك وفق منظومة سياسية
تقوم على اساس نظام الحكم او السلطة
و علاقة الحاكم بالمحكوم من حيث الواجبات و الحقوق .
حيث عرفت كل الأمم السابقة أنواعا من نظم الحكم و التسيير باعتبار
الحاجة للوجود ،فكانت المملكات و الأسر الحاكمة و نظريات الدولة و أنواع نظم الحكم
....تجليات واقعية للسياسة في دنيا الناس.
تميزت الأمة الإسلامية بنظام حكم متميز ،مثله الرسول صلى الله عليه
و سلم من خلال دولته النبوية و الخلافة الراشدة ،ثم توالت تطبيقات متباينة لنظم
الحكم ، وسبب ذلك يرجع إلى:
v
الخلل في فهم الشريعة
ومقاصدها، ومنها فقه الثابت و المتغير.
v الخلل في فقه الأولويات
و الموازنات.
v
سيطرة الأهواء و المصالح الفردية، و استغلال الدين في تبرير
الممارسات الخاطئة أو المشبوهة.
v
التأثر بالغير في حالة الضعف.
.......
مما سبب العديد من التناقضات على مستوى التصور من خلال جدلية الدين
و السياسة و على المستوى العملي التخبط في
الممارسات
و التطبيقات، و أعتقد أن
حسن فهم حديث :"أنتم أعلم بأمور دنياكم" انطلاقة واعية لفك الجدل و حل
عقدة التعارض للوصول الى رؤية تجمع بين الثابت و المتغير في الدين والسياسة.
ثانيا: دراسة حديثية و موضوعية لحديث :"انت اعلم بأمور دنياكم":
أ- مواقف العلماء من حديث (أنتم أعلم بأمور دنياكم)
اختلف العلماء في صحة هذا
الحديث برواياته المختلفة على قولين:
القول
الأول: المصححون للحديث
وهم جماهير المحدثين (منهم
الألباني في الزيادة في السلسلة الصحيحة [ ح 3977 ] والشيخ أحمد شاكر الحديث
عموماً في تخريجه للمسند [ م2 ص177 ح1395 ] وصحّح متممه حمزة الزين الزيادة [ م10
ص493 ح12483 ]) ، وقد استدلوا على ذلك بأن هذا الحديث روي عن جمع من الصحابة،
ورواه عنهم الجمع الكبير، فقد روي من حديث عائشة
و أنس بن مالك و طلحة بن عبيد
الله و رافع بن خديج و جابر بن عبد الله ، و روي كذلك من مرسل أبي مجلز.
أ-
حديث عائشة :
وقد اخرجه عنها أحمد في مسنده
(24964) ، و مسلم في صحيحه (2363) – و من طريقه ابن حزم في الاحكام (5/138) -، و
ابن ماجه في سننه (2471) ، و أبو يعلى في مسنده(3480) و (3531)– و عنه ابن حبان في
صحيحه (22) – و ابن خزيمة في كتاب التوكل كما في إتحاف المهرة (1/485) لابن حجر ،
و الطحاوي في مشكل الآثار (1722) ، و تمام في فوائده (1167) .
وحديث عائشة رواه حماد بن سلمة
مقرونا مع حديث أنس بن مالك . كلهم من طريق حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن
أبيه عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى الِلَّهِ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ أَصْوَاتًا ، فَقَالَ : " مَا هَذِهِ الأَصْوَاتُ
؟ " ، قَالُوا : النَّخْلُ يَأْبِرُونَهُ ، فَقَالَ : " لَوْ لَمْ
يَفْعَلُوا لَصَلُحَ ذَلِكَ " ، فَأَمْسَكُوا ، فَلَمْ يَأْبِرُوا عَامَّتَهُ
، فَصَارَ شِيصًا ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الِلَّهِ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنُكُمْ
، وَكَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ " ، و في لفظ مسلم :"
فَقَالَ : مَا لِنَخْلِكُمْ ، قَالُوا : قُلْتَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : أَنْتُمْ
أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ " .
و الصواب فيه أنه مرسل عن عروة
بن الزبير مرسلا ، و أن حماد بن سلمة قد وهم فيه فرواه موصولا ، فقد خالفه خالد بن
الحارث و محاضر و حفص بن غياث و غيرهم فرووه مرسلا .
ففي علل الدارقطني (14/187/ رقم
3531) : "وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ , عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ سَمِعَ تَأَبُّرَ النَّخْلِ , فَقَالَ
: " لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ " . فَلَمْ يُوبِّرُوا , فَصَارَ
شَيْصًا , فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ :
" إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنَكُمْ بِهِ " .
فَقَالَ : رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ هِشَامٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ
عَائِشَةَ . وَخَالَفَهُ خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ , وَمُحَاضِرٌ , وَغَيْرُهُمَا ,
رَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ , عَنْ أَبِيهِ , مُرْسَلا , وَهُوَ الصَّوَابُ " .
و أما مخالفة حفص بن غياث ، فقد
أخرجها يحيى بن آدم في "الخراج" (347) بلفظ : " أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم رآهم يؤبرون النخل ، فقال : « ما هذا ؟ لو تركوه » . فتركوه ، ولم
تحمل النخل ، فقالوا له ، فقال : « عليكم بما كنتم تصنعون - أو قال : - بما ينفعكم
» .
2- حديث أنس بن مالك :
بالإضافة لما سبق فقد أخرجه
أيضا : أحمد في مسنده (12566) ، و البزار في مسنده (6992) كلهم من طريق حماد بن
سلمة عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، مثل حديث عائشة رضي الله
عنها .
قال البزار : لم يرويه إلاَّ
حماد.
برغم تفرد حماد بن سلمة بهذا عن
ثابت البناني إلا أنه أثبت الناس عنه ، فتفرده لا يضر .
فرواية حماد بن سلمة عن ثابت
البناني من أصح الأسانيد وأقواها عن ثابت بإجماع أهل العلم.
3- حديث طلحة بن عبيد الله :
أخرجه يحيى بن آدم في الخراج
(345) ، و الطيالسي في مسنده (230- رواية يونس بن حبيب عنه) ، و أحمد في مسنده
(1395) و (1399) ، و مسلم في صحيحه (2361) ، و ابن ماجه في سننه (2470) ، و عبد بن
حميد في المنتخب (102) ،و ابن أبي عاصم في الآحاد و المثاني (207) ، و البزار في
مسنده (937) و (938) ، و أبو يعلى الموصلي في مسنده (639) ، و ابن خزيمة في التوكل
كما في إتحاف المهرة (1/485) لابن حجر ، و الطحاوي في شرح مشكل الآثار (1720) و
(1721) ، و في شرح معاني الآثار (4098) و (4099) و (4100) و (6324) ، و الشاشي في
مسنده (7) و (8) و (9) ، و أبو الشيخ الأصبهاني في التوبيخ و التنبيه (151) و (238)
، و أبو نعيم في الحلية (4/372- 373) ، و الحازمي في الاعتبار (1/167) .
كلهم من طريق سماك بن حرب عن
موسى بن طلحة عن أبيه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قَالَ : " مَرَرْتُ
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ
النَّخْلِ ، فَقَالَ : مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالُوا يُلَقِّحُونَهُ ،
يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى ، فَيَلْقَحُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا ، قَالَ
: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ ، فَتَرَكُوهُ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ
، فَلْيَصْنَعُوهُ ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا ، فَلَا تُؤَاخِذُونِي
بِالظَّنِّ ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا ، فَخُذُوا بِهِ
، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلّ " . هذا لفظ مسلم .
قال البزار : وَقَدْ رَوَى
هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سِمَاكٍ إِسْرَائِيلُ ، وَأَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، وَغَيْرُ
وَاحِدٍ ، وَلاَ نَعْلَمُ يُرْوَى عَنْ طَلْحَةَ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جَمَاعَةٌ
مِنْهُمْ : أَنَسٌ ، وَعَائِشَةُ ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، وَجَابِرُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ ، وَيَسِيرُ بْنُ عَمْرٍو.
قال الحازمي : وَهَذَا حَدِيثٌ
مَدَنِيُّ الْمَخْرَجِ ، وَقَدْ تَدَاوَلَهُ الْكُوفِيُّونَ ، وَلَهُ طُرُقٌ
عِنْدَهُمْ ، وَيُرْوَى أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْمَدَنِيِّينَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ
.
و سماك بن حرب ثقة الا أن في
روايته عن عكرمة ضعف و لين ، و هذا ليس منها ، فالاسناد صحيح ، و لله الحمد و
المنة .
4- حديث جابر بن عبد الله :
أخرجه البزار في
"مسنده" كما في كشف الأستار (202) قال : حَدَّثَنا محمد بن المثنى
حَدَّثَنا عياش بن أبان ، حَدَّثَنا محمد بن فُضَيل ، عَن مجالد عن الشعبي عن جابر
أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بقوم يلقحون النخل ، فَقال ما أرى هذا
يغني شيئا فتركوها ذلك العام فشيصت فأخبر النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
فَقال : أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم.
و أخرجه أيضا الطحاوي في شرح
مشكل الآثار (1723) ، و الطبراني في المعجم الأوسط (1030) و ذكره الحازمي في
الاعتبار (1/167) ، والرافعي في "التدوين في أخبار قزوين" (2/112-
113)كلهم من طريق محمد بن فضيل عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن جابر رضي الله عنه
قال : أبصر رسول الله الناس يلقحون النخل ، فقال : ما للناس ، قال : يلقحون يا
رسول الله ، قال : لا لقاح أو ما أرى اللقاح بشيء ، قال :فتركوا اللقاح فجاء تمر
الناس شيصا ، فقال رسول الله : ما أنا بزراع ولا صاحب نخل لقحوا . و هذا لفظ
الطبراني .
و هذا اسناد ضعيف ، فيه مجالد
بن سعيد و هو ضعيف اختلط بآخره .
قال البزار : لاَ نعلمُ رواه
عَن ابن فضيل إلاَّ محمد بن عَمْرو التنوري وعياش وهما بصريان.
قد تابعهما أيضا سعيد بن عنبسة
الخراز كما في الاعتبار للحازمي ، و التدوين للرافعي ، الا أن سعيد هذا كذاب ليس
بصدوق ، فلا يستبعد سرقته للحديث .
و قال الهيثمى (1/430) : رواه
البزار والطبرانى فى الأوسط بمعناه وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط .
5- حديث رافع بن خديج :
أخرجه مسلم في صحيحه (2362) – و
من طريقه القاضي عياض في الشفا (2/183-184) - و ابن حبان في صحيحه (23) ، و
الطبراني في المعجم الكبير (4424)
كلهم من طريق النضر بن محمد عن
عكرمة بن عمار عن أبو النجاشي عطاء بن صهيب مولى رافع عن رافع بن خديج قَالَ :
" قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ،
وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ ، فَقَالَ :
مَا تَصْنَعُونَ ؟ قَالُوا : كُنَّا نَصْنَعُهُ ، قَالَ : لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ
تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا ، فَتَرَكُوهُ ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ ، قَالَ :
فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ
بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ ، فَخُذُوا بِهِ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ
رَأْيٍ ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ " و هذا لفظ مسلم .
و فيه النضر بن محمد بن موسى
أبو محمد اليمامي و هو ثقة له أفراد ، و لا يضر تفرده بها .
و فيه أيضا عكرمة بن عمار
العجلى أبو عمار اليمامي ، و هو ثقة ، و في بعض حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب
و ضعف .
و هذا الحديث ليس عن يحيى بن
أبي كثير ، فالاسناد صحيح ان شاء الله .
6- مرسل أبي مجلز :
أخرجه يحيى بن آدم في الخراج
(346) فقال : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ
التَّيْمِيِّ , عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَائِطًا لِلأَنْصَارِ وَهُمْ يُلَقِّحُونَ نَخْلا ,
فَقَالَ : " وَيُغْنِي هَذَا شَيْئًا ؟ " فَتَرَكُوهُ , فَلَمْ تَحْمِلِ
النَّخْلُ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "
عُودُوا , فَإِنَّمَا قُلْتُ لَكُمْ , وَلا أَعْلَمُ "
و هذا إسناد حسن مرسل لأن أبي
مجلز تابعي ، و لم يكن أبوبكر بن عياش وهم فيه فأنه كان صدوق له أوهام ، و كتابه
صحيح .
خلاصة رأي المصححين للحديث:
قالوا: الحديث صحيح لا غبار
عليه، فقد صح من حديث أنس بن مالك ، و طلحة بن عبيد الله ، و رافع بن خديج رضوان
الله عليهم جميعا .
و أما حديث عائشة فأنه ضعيف لأن
الصواب فيه الارسال عن عروة بن الزبير مرسلا .
و أما حديث جابر بن عبد الله
فاسناده ضعيف لأن مداره على مجالد بن سعيد و هو ضعيف اختلط بآخره .
و حديث أبي مجلز ضعيف مرسل لأنه
تابعي .
القول الثاني: المضعفون للحديث
وقد طعنوا في الحديث من جهتين:
من جهة السند:
ذكروا أن من الأمورِ المعروفة
عند علماء السنة أن هناك فرقاً بين ما يورده مسلم رحمه الله في صحيحه احتجاجا وما
يورده زيادة للمتابعة أو الاستشهاد
حيث يورد مسلم في صحيحه عدة
روايات في الموضوع أو الباب الواحد تكون الرواية الأولى في الباب هي التي على شرط
الصحة ، أي هي التي صح إسنادها عنده أما ما يأتي به بعدها في نفس الباب فلمجرد
الزيادة والاستشهاد مع أنها بأسانيد ضعيفة أحياناً . كما أنه كان يرتب روايات
الاستشهاد ترتيبا نازلاً فيجعل أضعفها في آخر الباب . فإذا كانت الروايات الآتية
بعد الرواية الأولى موافقة للرواية الأولى في بعض الجمل أو العبارات كانت هذه
العبارات هي محل الاستشهاد وأما ما كان فيها من عبارات ليست في الرواية الأولى
فليست محلا للاستشهاد ولا يحتج بها لأنها ضعيفة أحياناً . بل تكون أحيانا موضوعة
يُجزم بنفي نسبتها إلى النبي ويجزم بأنها إنما نسبت إليه من قبل بعض الرواة كذباً
أو خطئاً كما في المثال الذي معنا في هذا المقال . فعند الرجوع إلى هذا الموضع في
صحيح مسلم ، نجده يروي بسنده حديث النبي في الرواية الأولى الصحيحة ، وليست فيها
هذه العبارة ( أنتم أعلم بأمر دنياكم ) ولا حتى في الرواية التي بعدها ولم ترد هذه
العبارة إلا في آخر وأضعف رواية في الباب وهي رواية ضعيفة الإسناد لا يحتج بما جاء
فيها من عبارات زائدة . وحتى إذا افترضنا أن إسنادها يظهر عليه الصحة فإنها تكون
حين إذ رواية شاذة والرواية الشاذة مردودة عند علماء السنة. ولمعرفة المزيد عن
معنى ( الرواية الشاذة ) يمكنكم – ان شاء الله – الضغط على الرابط الذي في نهاية
هذا الموضوع. إذاً ، هي رواية قد أحاطت بها العلل من كل جانب فهي معلولة المتن من
جانب وشاذة أو منكرة من جانب آخر . فهيا بنا نتأمل الرواية الأولى صحيحة الإسناد
في بابنا هذا ، فهي بعد ذكر مسلم لإسناده كالتالي : " عن موسى بن طلحة عن أبيه
قال مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل فقال " ما
يصنع هؤلاء " فقالوا يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم " [ ما أظن ] يغني ذلك شيئا " . قال فأُخبروا بذلك
فتركوه فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال " إن كان ينفعهم ذلك
فليصنعوه فإني [ إنما ظننت ظنا ] فلا تؤاخذوني [ بالظن ] ولكن إذا حدثتكم عن الله
شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل " ) قال النووي في شرحه على صحيح
مسلم ج: 15 ص: 116 قال العلماء ولم يكن هذا القول خبرا وإنما كان ظنا كما بينه في
هذه الروايات . انتهى . إذاً ، يتبين من الرواية الصحيحة أن النبي لم يقل ( أنتم
أعلم بأمر دنياكم ) وحاشاه أن يقول ذلك . كما بين النبي أن ذلك مجرد ظن منه وبهذا
يُعلم أن ذلك ليس نهياً أو أمراً أو سنة أو ندباً ( وهذا ضابط مهم ) فقال منذ
البداية " ما أظن " ولم ينههم ثم أكد على هذا البيان مرة أخرى حين بلغه
ما بلغه فقال " فإني إنما [ ظننت ظنا ] فلا تؤاخذوني بالظن ". فالله
الذي رضي لنا الإسلام دينا إلى يوم القيامة أعلم بأمور دنيانا منا .
إسناد تلك الرواية الموضوعة
فيها هشام بن عروة عن أبيه وقد حدث بها في العراق فالراوي الذي رواها عنه عراقي [
وقد أُنكر على هشام بعدما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية فأنكر عليه ذلك
أهل بلده فإنه كان لا يحدث عن أبيه إلا ما سمعه منه ثم تسهل فكان يرسل عن أبيه ] .
( المرجع : تذكرة الحفاظ للقيسراني المتوفى سنة 507 هـ . ج 1 . ص 145 . ) .
كما أن في إسناد تلك الرواية
الموضوعة حماد بن سلمة : نقل الذهبي في السير 7-446 و 452 والزيلعي في نصب الراية
1-285 عن البيهقي في الخلافيات أنه قال في حماد بن سلمة ( .. لما طعن في السن ساء
حفظه فلذلك لم يحتج به البخاري وأما مسلم فاجتهد فيه وأخرج من حديثه عن ثابت مما
سمع منه قبل تغيره وأما سوى حديثه عن ثابت فأخرج نحو اثني عشر حديثا في الشواهد
دون الاحتجاج فالاحتياط ان لا يحتج به فيما يخالف الثقات 000 ] وهو هنا قد أخطأ
وخالف بروايته رواية الثقات والكتاب والسنة وأمراً معلوما من الدين بالضرورة وهو
أن الله أعلم من جميع خلقه بكل شيء بما في ذلك أمور دنياهم . الله أعلم بأمور
دنيانا منّا .
من أمثلة كلام علماء السنة عن
الاحتجاج بالأصل وأنه غير الاستشهاد عند مسلم ما يلي
( قال النووي في شرحه لصحيح
مسلم ج 1 ص 91 في سياق حديثه عن أحد الرواة الضعفاء : فإن قيل : فإذا كان هذا حاله
فكيف روى له مسلم فجوابه من وجهين أحدهما .. والثانى [ أنه لم يذكره أصلا ومقصودا
بل ذكره استشهادا ] ) إنتهى.
وقال أبو الوفا الحلبي
الطرابلسي المتوفى في القرن التاسع الهجري في كتابه المسمى التبيين لأسماء
المدلسين ج: 1 ص: 222 ما يلي : ميمون بن أبي شبيب متكلم فيه ولم أر أحدا من الحفاظ
وصفه اني رأيت بخط بعض فضلاء الحنفية الفقهاء حاشية في أوائل صحيح مسلم في المقدمة
فإن قيل ميمون بن أبي شبيب مدلس وقد روى عن المغيرة بالعنعنة فلا تقبل روايته [
قلنا مسلم إنما رواه عنه استشهادا ] بعد ان رواه من حديث بن أبي ليلى عن سمرة.
إنتهى.
وقال ابن حجر في كلامه عن أحد
الرواة في تهذيب التهذيب ج: 1 ص: 183 : وقال بن القطان الفاسي لم يحتج به مسلم
إنما أخرج له استشهادا. إهـ
من أمثلة ذلك التفريق بين
الإحتجاج والمتابعة أيضاً : ما قاله ابن القيم في المنار المنيف 1/149 حيث قال (
وعلى ابن زيد قد روى له مسلم [ متابعة ] ولكن هو ضعيف وله مناكير تفرد بها فلا
يحتج بما ينفرد به ) إهـ
لذا لا يحتاج المسلم المتدبر
لكتاب الله وسنة رسوله أن يذكره أحد بأن الله هو علام الغيوب وأنه هو العليم
الحكيم وأن الله الذي رضي لنا الإسلام دينا وشرعه لنا إلى يوم القيامة أعلم بأمور
دنيانا منا. أيشك أحد من المسلمين في أن الله أعلم منه بأمر دنياه وجميع أموره .
قال الله " قل أأنتم أعلم أم الله "
من جهة المتن:
1- إن هذه القصة وقعت فى المدينة وهذا يعنى أن عمر
رسول الله لايقل عن 53 عاما فهل يعقل انه صلى الله عليه وآله وسلم لم ير ولم يسمع
عن شيء اسمه تأبير النخل وهو الذى عاش فى الجزيرة العربية كل هذا العمر وعاشر
اهلها والطبيعى أنه كان يراهم فى كل سنة يقومون بتأبير النخل أتظنه نسى ما كان
يعرفه عن التلقيح بمجرد أن هاجر الى المدينة ويسأل ماذا يصنع هؤلاء ؟
2- أن رسول الله بمجرد أنه سأل هذا السؤال فهذا
يعنى أنه كان جاهلا بما يصنعون وليس له علم به فإذا كان هذا هو حاله فلماذا يتطوع
بالتدخل فى أمر يجهله ولا يعنيه وهو القائل كما روى احمد فى مسنده ج4 ص168
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُسْنِ
إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ
وكذلك رواه الطبرانى فى المعجم
الكبير ج19 ص 235 والترمذى فى سننه ج8 ص295 وابن ماجه فى سننه ج11 ص 472 وغيرها من
الكتب .
وأين هذا من قول النبى صلى الله
عليه وعلى آله وسلم الذى أخرجه البخارى فى صحيحه ج18 ص437: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ
بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فَلْيَقُلْ خَيْرًا
أَوْ لِيَصْمُتْ فهل يجوز على رسول الله ان يقول
قولا ويفعل مايخالفه كما فى رواية أحمد وهل هذا هو قول الخير الذى دعا رسول الله
امته اليه كما فى رواية البخارى ؟ .
وإذا كان الرسول لايدرك ما إذا
كان قوله خيرا أم لا فلماذا لم يصمت وأقحم نفسه فى أمر لايعرفه – حاشاه – دون أن
يسأله أحد من القوم ؟
وهل أهل المدينة من السذاجة أن
يقبلوا بعدم تلقيح نخلهم وفساد محصولهم ؟ وإن قال قائل أنه رسول الله ويجب عليهم
طاعته فإذا كان الأمر كذلك فهل يخالف رسول الله القرآن الكريم الذى نزل على قلبه
حيث يقول الله تعالى لرسوله :
{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ
عَنْهُ مَسْؤُولاً} (36) سورة الإسراء
3- ونسب إلى رسول الله فى الحديث الذى ورد فى سنن ابن ماجه ج7 ص332
أنه قال عن تلقيحهم النخل " مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا " ؟
فكيف غاب عن رسول الله ما ذكره الله تعالى فى القرآن الكريم وخلقه من كل شئ زوجين
لاتستقيم الحياة إلا بوجودهما ولا تعمر الأرض إلا بهما خاصة آيات زوجية النبات ؟
قال الله تعالى:(وَآيَةٌ لَهُمُ
الأرض الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ
يَاكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا
فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ . لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أيديهم
أَفَلا يَشْكُرُونَ . سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا
تُنْبِتُ الأرض وَمِنْ أنفسهم وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ). (سورة يس:33 ـ 36)
وقال تعالى: (وَالأَرْضَ
فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ . وَمِنْ كُلِّ شَئٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ). (الذاريات:48 ـ 49)
وقال تعالى:(وَهُوَالَّذِي
مَدَّ الأرض وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ
جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. (الرعد:3)
فهل نسى رسول الله هذه الآيات
الصريحة فى شمول نظام الزوجية لكل ماتنبت الأرض ؟ ألم يقرأها على الناس ألم يبينها لهم ؟ أم غابت عنه
فدهش عندما رأى القوم يلقحون نخلهم فاستقبح مايفعلوه ونهاهم عنه ؟
4- وهل رسول الله يرى بالظن كما جاء فى الرواية
التى أخرجها أحمد بن حنبل فى مسندهج25 ص132قوله " إِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ
ظَنَنْتُهُ " ؟
وإذا كانت أوامر النبى وبالتالى
نواهيه تنقسم الى قسمين طبقا لهذه الرواية فالأول منهما يتعلق بأمور الدين وهو من
الله تعالى فتجب إطاعته والثانى من أمور الدنيا وهو ظنون النبى ولاتجب إطاعته فهل
يزعم زاعم أنه عندما يشك فى أمر أو نهى نبوى لم يرد فيه نص يلحقه بأحد القسمين
فالأصل أن يكون من ظنون النبى ؟
5- هناك من يزعم ان الرسول كالبشر يصيب ويخطئ ولكن
الله تعالى يصحح خطأه فى وقتها فلنفرض أن رسول الله كان جاهلا بأمر النخل وتلقيحه
-حاشاه- وأنه اشتبه عليه وأمرهم بترك التلقيح فلماذا أقره الله على فعله ولم ينزل
الوحى بتصحيح فعله وتنبيهه ؟
6-
ألا يعد ماحدث من إطاعة النبى وترك عملية التلقيح وبالتالى فساد نخل هؤلاء
القوم وخسارتهم وضياع ما يتعيشون عليه هم ومن يعولوا -قلوا أو كثروا- فسادا فى
الأرض فهل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بفساد أو يدل على ضرر ؟
7- وإذا كان رسول الله قال ماقال وكانت نتيجة قوله
وأمره للقوم هو فساد محصولهم الذى يعيشون عليه ويتقوتون منه فهل يجوز على رسول قال
عنه الله تعالى : {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (4) سورة القلم .. أن يكون سببا فى إفساد أو يتهرب من الناس
عندما جاؤوه يشكون حالهم الذى ماكان ليكون بهذا السوء لولا أنه أمرهم بترك تلقيح
النخل ولاذنب لهم سوى أنهم أطاعوه ثم يقول
لهم أنت أعلم بدنياكم.
8- وإذا كانوا هم أعلم بدنياهم ألم يدرك ذلك رسول
الله قبل أن يتدخل فى أمر هو من أمور الدنيا أم كان لابد أن يحدث ماحدث لهم حتى
يعلم بأنه ليس له علاقة بأمور الدنيا .. والغريب أنه طبقا لهذه الرواية المفتراة
على رسول الله لم يسأله أحد عن التلقيح ليجيبه وإنما هو تطوع من تلقاء نفسه وأمرهم
ألا يلقحوا النخل.. فهل يجوز هذا على رسول الله الذى يهدى الى صراط مستقيم حيث
يقول تعالى : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (52) سورة الشورى
وإذا كان النبى الأعظم صلى الله
عليه وآله وسلم يهدى إلى صراط مستقيم فهل هذه الهداية مرتبطة بالدين أم بالدنيا أم
بالاثنين معا ؟
الإسلام منهج متكامل للدين
والدنيا معا يرتكز على مجموعة من المبادئ والمثل، والقواعد والأسس، والتشريعات
والنظم لتنظيم السلوك الإنساني في هذه الحياة
وبما يحقق مطالب الروح والجسد، ويؤمن حقوق الفرد والجماعة، ويرتب علاقات
الأفراد والجماعات والشعوب فلا دولة إسلامية بدون دين ولا قيمة لدين جاف يخلو من
توجيه المجتمع وسياسة الأمة.
9- لقد فات على من وضع هذه الرواية افتراء وكذبا
على رسول الله ان يذكر فيها ماذا فعل رسول الله لهؤلاء القوم عندما جاؤوه يشكون
حالهم ويعلمونه بفساد نخلهم بسبب طاعتهم لأمره بعدم التلقيح .. فهل ساعدهم بشئ أو
عوضهم بما يعينهم على العيش حتى الموسم القادم ؟
بالطبع لا لم يفعل شيئا من هذا بل فقط قال لهم انتم أعلم بدنياكم .. فأين
الرحمة المحمدية إذن بهؤلاء الناس المنكوبين .. ألم يرسله الله رحمة للعالمين كما
قال تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (107) سورة
الأنبياء
ثم أين الرأفة بالمؤمنين تلك
التى وصف بها الله تعالى رسوله فى قوله تعالى :
{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ
رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة
ب-
تعليق:
بعد هذا العرض الشيق و الممتع لتفنن علماء الحديث في التعامل مع
هذا الحديث ،و الذي ينظر بالنظرة الإيجابية
يدرك المعاني التالية و يضع التساؤلات الآتية:
v
أهمية الحديث و أبعاده و هذا الاختلاف في التصحيح و التضعيف يدلنا
على محوريته في التصور الإسلامي.
v
اضطراب و خلل في معرفة
حدود الدين و الدنيا ،و هل السياسة متعلقة
بالدين أم بالدنيا.
v
هل ما حدث بين الصحابة من اقتتال متعلق بأمور الدين أم الدنيا
(السياسة )؟؟.
v
ما موقع الدين من التطبيقات التاريخية لنظم الحكم عند المسلمين
قديما و حديثا؟
ثالثا: حدود الدين و السياسة ـ التكامل و التفاعل:
من خلال ما سبق ندرك أهمية عرض هذا الموضوع و تشخيصه بعيدا عن
الاندفاع الشخصي و التحيز الموضوعي و التبرير غير الواقعي للتاريخ و التنزيل الخاطئ للنصوص ، وهذا يحتاج منا
الفهم العميق للإسلام و المعالجة
الموضوعية العلمية للنصوص و الأحداث و معرفة حدود المقدس ، ذلك أن التقديس انسحب
في مخيال الإنسان المسلم في كل مجالات الحياة مما عطل الإبداع و التعاطي مع قضايا
المجتمع، و في المقابل نجد النقيض في الطرف المقابل ـ حتى من المنتسبين للإسلام ـ
من يلغي صفة التقديس و يخضع النصوص للتاريخية و النقد باسم الحداثة ،مما سبب الكثير
من الإشكالات والتناقضات في المجتمعات الإسلامية منها تطبيق العلمانية الغربية
كأنموذج في الفكر و السلطة.
و الحقيقة أن لا تعارض بين
الدين و السياسة و بينهما علاقة تكامل وظيفي و تفاعل سنني ، تحقق مصالح الفرد و
الجماعة ،من خلال البادئ و المنطلقات التالية:
1-
أن من البدع المعاصرة قضية فصل الدين عن الدولة ،ذلك أن هذا المظهر
مخالف لمقصد الدين و حقيقة الوجود
الانساني ، و في هذا السياق يقول شيخ الازهر محمد الخضر حسين و هو الذي عايش
بدايات فصل الدين عن الدولة :"فصل الدِّين عن السياسة هدم لمعظم حقائق
الدِّين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين، وليست هذه الجناية
بأقل مما يعتدي به الأجنبي على الدِّين إذا جاس خلال الديار، وقد رأينا الذين
فصلوا الدِّين عن السياسة علنا كيف صاروا أشد الناس عداوة لهداية القرآن، ورأينا
كيف كان بعض المبتلين بالاستعمار الأجنبي أقرب إلى الحرية في الدِّين ممَّن أصيبوا
بسلطانهم، ونحن على ثقة من أن الفئة التي ترتاح لمثل مقال الكاتب لو ملكت قوة
لألغت محاكم يقضى فيها بأصول الإسلام، وقلبت معاهد تدرس فيها علوم شريعته الغراء
إلى معاهد لهو ومجون، بل لم يجدوا في أنفسهم ما يتباطأ بهم عن التصرف في مساجد
يذكر فيها اسم الله تصرف من لا يرجو لله وقارا"[36].
2-
أن الحديث السابق :"أنتم أعلم بأمور دنياكم"
يمثل مركزية مهمة و محورية أساسية
و نقطة انعطاف في فهم العلاقة بين الدين و السياسة ،و تفكيك
هذه الجدلية للخروج برؤية متكاملة تنسجم مع الاصل و تتكيف مع الفرع.
ان الاختلاف في تصحيح الحديث او تضعيفه يدل على اهمية الفكرة و خطورتها مما اتنج هذا التنوع في المعالجة الحديثية ،و الذي ينظر من الزاوية
الايجابية يدرك ان هذا الحديث له تجليات في دنيا الناس .
فمن المعلوم من الدين بالضرورة ان
الاسلام دين شامل ،لكن من تمام شموليته المرونة و والواقعية ،و تتعلقان
برسم حدود الاصول و الفروع و مستويات الثابت و المتغير.
و المتتبع لمقاصد الشريعة يدرك ان الشريعة الاسلامية
تركت مجالا واسعا للاجتهاد الانساني الذي يحقق التجديد .
3-
ان الاسلام من خلال عقيدته شريعته و اخلاقه و ضع
مبادئ و اصول و القيم
و مقاصد ثم
وسع من دائرة التجديد الاسلامي ،ومن هذه الاصول:
v
مقاصد الشريعة ( حفظ الدين ـحفظ النفس ـحفظ
العقل ـحفظ العرض ـ حفظ المال).
v
الحرية بكل أنواعها.
v
العدل و الاحسان.
v
الشورى .....
و تأتي هنا الاجتهادات البشرية و التجارب الانسانية
المتنوعة ارضيتها الاصول سابقة الذكر أما طريقة البناء تختلف زمانا ومكانا و عرفا
و حالا.
4-
ان الدين يؤسس لفلسفة الحياة و لتصور الانسان و
لسلوك الفرد و لصورة المجتمع التي يجب أن يكون عليها على أحسن صورة و أفضل أنموذج
من حيث العموم و الشمول و الاصول لا في الفروع و الجزئيات و التفاصيل ،وهنا يأتي
حديث :"أنتم أعلم بأمور دنياكم " كأرضية في التفكير و الاستراتيجية في
الممارسة ومحاولة الجمع بين الدين و الدنيا ،و من الدين القيام بأعباء
السياسة و اتصافها بالعدل و اعتمادها
الشورى و اختيار القوي الامين و من
الدنيا ترك المجال للشعوب ان تختار نظام الحكم المناسب و الحكام
المناسبين.
5-
إن
عملية الاجتهاد الفقهي و التجديد من مقتضيات شريعة الاسلام ومن متطلبات
العصر و الواقع ، و قد شهدت علوم السياسة و الادارة تطورا في المناهج
و الموضوعات
و التقنيات و المهارات التي تنسجم مع روح الاسلام و شريعته .
ومن الحكمة اعتماد الانموذج الاصلح في الحكم الذي
ينسجم مع المبادئ العامة للسياسة الشرعية .
خاتمة وتوصيات:
·
تمثل هذه الدراسة المتواضعة دعوة لكل المهتمين بالدراسات
الاسلامية الى تفعيل علم مقاصد الشريعة و اخراجها من حيز التنظير الى فضاء الممارسة ، و اعتقد ان
الممارسة السياسة من المجالات الحية التي تحتاج منا الفقه السليم و الفهم
الدقيق و الاجتهاد الصحيح و التنزيل الواعي للنصوص الشرعية .
·
إن التفكر النمطي السائد عند المسلم سببه عدم القدرة على
الخروج من شرنقة التقديس و غبار التقليد
وفوضى التفكر ، و للأسف أن كل هذه الصفات السلبية
لا تنسجم تماما مع حقيقة دين
الاسلام .
إن محاولة فهم هذا الحديث و مثله
من النصوص الشرعية و حسن تنزيلها تمثل
منطلقا أساسا و مبدأ رئيسا و ارضية صلبة
للتعامل الصحيح مع مشكلات المجتمع و
قضاياه المعاصرة .
·
ان علاقة الدين بالسياسة علاقة المنبع بالمصب و علاقة الروح بالجسد ، مهما تعدد المجاري و
الانهار فالمنبع واحد ومهما تنوعت الاجساد فالروح واحدة.
·
ان ابتعاد الناس عن الاسلام كمنهج حياة و الـتأخر عن
الركب الحضاري سبب هذا الخلل في رصد العلاقة بين الدين و السياسة.
·
إن هذا الاشكال مهد لظهور مصطلح :" رجال الدين" الذي لم يكن معروفا في الفكر الاسلامي ،بل إنه
مصطلح كنسي "ايكلروسي" في مقابل
رجال السياسة ،و هذا سبب العلاقة المضطربة بين
العلماء "رجال الدين !!" ورجال السياسة .
·
و في هذ المجال نوصي باعتماد التجارب الناجحة و النماذج
المثالية التي ظهرت في امريكا و اروبا ،كالنظام الرئاسي الامريكي و النظام
البرلماني الانكلوسكسوني و التداول
السويسري الذي لا يتعارض تماما مع احكام الشريعة و مبادئ الخلافة .
و
الله أعلم
[1] - مختار الصحاح ج 1 ص 91 و لسان العرب ج 13 ص 169
[2] - لسان العرب ج 13 ص 169
[5] - مختار الصحاح ج 1 ص 91
[9] - لسان العرب ج 13 ص 169
[13] - لسان العرب ج 13 ص 171
[15] -إعلام الموقعين ج2/ص177
[16] - أبجد العلوم ج2/ص337
[17])نقلا عن كتاب علم الاجتماع الديني ل عبد الله الحريجي السعودية ط الثانية ص34
[18]) روجيه باستييد –مبادئ علم
الاجتماع-ص23
[19]) علي سامي النشار -نشأ’ة الدين- دار الثقافة المصرية الاسكندرية
1949 ص 21
[20])زكريا ابراهيم –مشكلة الفلسفة-
دار القلم القاهرة 1962ص 193
[21] - آل عمران24.
[22] - آل عمران ، الآية 85.
[23] - الحجرات 16.
[24] - الكافرون 6.
[26]) عبد الله دراز-الدين-بحوث ممهدت
لدراسة تاريخالاديان القاهرة مطبعة السعادة القاهرة1969ص 29
[28]) لسان العرب ابن منظور مادة سوس
[30]رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3455) عن أبي هريرة،
ومسلم في الإمارة (1842)، وأحمد في المسند (7960)، وابن ماجه في الجهاد (2871).
[31]رواه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الفضائل (6/410) عن
المستظل بن حصين، والحاكم في المستدرك كتاب الفتن والملاحم (4/475)، وقال: هذا
حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الشعب (6/69).
[32])منحة الخالق على البحر الرائق
السيد احمد امين الشهير بأبن عابدين مطبوع بهامش
البجر الرائق شرج كنز الرقائق لابن النجيم دار المعرفة بيروت ط الثانية 5_76
[33])المصدر نفسه 5_ 76
[34])المرأة والحقوق السياسية في
الاسلام- رسالة ماجستير- إعداد مجيد ابو حجير اشارف الدكتور يوسف علي محمود
الجامعة الاردنية 1994ص 25
[36]انظر: مقالة (ضلالة فصل الدِّين عن السياسة) من (رسائل
الإصلاح) صـ159 – 173 طبعة المطبعة التعاونية بدمشق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق